أبي نعيم الأصبهاني

250

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

وأشكاله ، وانقبض عن الكلام لضعف في بصره وانحلال في جسمه وقوته . * حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو بكر محمد بن حمدان ثنا محمد ابن أحمد أبي سفيان ومحمد بن علي القحطبى قالا : قدم أبو الحسين النوري وكان صوفيا متكلما في بعض قدماته من مكة في غير أوان الحج فخرجنا فاستقبلناه فوق بغداد ، فرأينا في وجهه تغيرا ، فقلنا : يا أبا الحسين تغير الأسرار من تغير الأبشار . فقال : لا إن الحق تحمل كل كل وثقل عن قلوب أوليائه ثم أنشدني : أخرجني من وطنى كما ترى * صيرني صيرني كما ترى . أسكن قفر الدمن * إذا تغيبت بدا وإن بدا غيبنى * وافقته حتى إذا وافقني خالفني وقال لا تشهد ما تشهد أو تشهدنى . * سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول رئى النوري في رجوعه من الحرم ولم يبق منه إلا خاطره . فقال له رجل : هل يلحق الأسرار ما يلحق الصفات ؟ فقال : لا ، إن الحق أقبل على الأسرار فحملها ، وأعرض عن الصفات فمحقها . ثم أنشأ يقول : أهكذا صيرني * أزعجنى عن وطنى غربنى شردنى * شردنى غربنى حتى إذا غبت بدا * وإن بدا غيبنى واصلنى حتى إذا * واصلته فاصلنى يقول لا تشهد ما * تشهد أو تشهدنى . * سمعت عمر البناء - البغدادي بمكة - يحكى لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلا الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم فاخذ في جملة من أخذ النوري في جماعة ، فأدخلوا على الخليفة فامر بضرب أعناقهم ، فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه ، فقال له : السياف : ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك ؟ فقال : آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة فتوقف السياف والحاضرون عن قتله ، ورفع أمره إلى الخليفة . فرد أمرهم إلى قاض القضاء - وكان يلي القضاء يومئذ إسماعيل بن إسحاق - فقدم إليه النوري فسأله عن مسائل في العبادات والطهارة والصلاة . فاجابه ثم قال له :